مجموعة مؤلفين

235

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

الإنسانية وتتكامل . ولكن الذي يميز الاختبار الصوفي في هذا الموطن ، عن سائر المذاهب ، هو اعتبار الوحدة الإلهية ذاتها أساس تقوية الإرادة ومظهر نموها وازدهارها . ثم هناك أيضا ما عرف باسم « التوحيد الشهودي » . وهو تحقق بالوحدة المطلقة في ذرى المشاهدة والتأمل . وهذا يعنى اتحاد المرء مع اللّه - اتحاد عيان لا أعيان . . . - ، بعد فنائه عن الكيان ( المعنوي ) والأكوان ! ، إن الذي يميز هذا اللون الخاص من التوحيد عن نظيره الأول ، هو أن الحقيقة الإلهية لا تظهر في هذا المقام في مظهر « أمر ونهى » و « شريعة وقانون » يخضع لها العبد وتتلاشى إرادته فيها ، - بل تتجلى لصاحب التوحيد الشهودي في « صورة ذات مقدسة » يهيم في جمالها ، ويتعشق كمالها ، ويفنى في وجودها . فهو كمجنون ليلى ( وللّه المثل الأعلى في السماوات والأرض ) : إذا نطق لا ينطق إلا بحبها . وإذا أبصر لا يبصر إلا جمالها . وإذا سمع لا يسمع إلا حديثها . وإذا تأمل لا يتأمل إلا فيوضات أنوارها . إنه أبدا : فيها ، وبها ، ومعها ، ولها ، ومنها ، وإليها . . . وكما قلنا في التوحيد الإرادى : إن فناء إرادة العبد في إرادة الرب ، معناه تسامى الإرادة البشرية إلى قمة الإرادة الإلهية ؛ - كذلك الشأن أيضا في التوحيد الشهودي : إن فناء وجود العبد المعنوي في بحر الوجود الحقيقي ، معناه تسامى الوجود الإنسانىّ المحدود إلى سماء الوجود الإلهى اللامحدود : بدون أن تحدث هذه العملية الغريبة الفائقة أي تغيير في حقيقة الذات الإلهية المطلقة وكمالها اللانهائى . ولكن التغيير كل التغيير ، هو ما يحصل للإنسان في هذا الموطن الشريف : إنه الآن إنسان رباني . وقد كان من قبل إنسانا فقط ! إذا سئلت : ما هو الموضوع الأخص للتوحيد الإرادى ، الذي تفنى فيه إرادة العبد ، بل تتسامى إلى إرادة الرب ؟ - أجبت : هو القرآن العظيم ، وهدى النبي الكريم ، وتراث ورثته الطاهرين ، من القرن الأول حتى الآن ، وإلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين . .